سوريا بين الصراعات الداخلية والتدخلات الإقليمية: معركة الاستقرار والمصير

شهد الساحل السوري خلال الأيام الأخيرة تصاعدًا في أعمال العنف المنظم، حيث شنت مجموعات مسلحة موالية لنظام بشار الأسد هجمات ممنهجة ضد القوى الأمنية في محافظتي اللاذقية وطرطوس. وتأتي هذه الأحداث وسط توترات متزايدة داخل الطائفة العلوية نفسها، التي تُعد أقلية في سوريا، رغم أنها ليست أكثرية حتى في الساحل السوري.
اندلعت الأحداث في قرية بيت عانا بريف جبلة في محافظة اللاذقية، حيث تعرضت دورية تابعة للأمن الداخلي لهجوم مسلح، مما أدى إلى تصاعد المواجهات بسرعة. وشنت مجموعات مسلحة تابعة لعصابات بشار الأسد هجمات منسقة استهدفت مواقع أمنية في ريفي اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى قرى أخرى في منطقة الساحل، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء من القوى الأمنية. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة، نظرًا لكون القرية مسقط رأس اللواء سهيل الحسن، أحد أبرز قادة الجيش السوري في عهد النظام المخلوع.
وتزيد حساسية هذه الاضطرابات مع وجود قاعدة حميميم الروسية في المنطقة، ما يضفي بُعدًا دوليًا على تداعياتها، ويثير تساؤلات حول مآلات المشهد الأمني والعسكري في الساحل السوري ومستقبل توازن القوى في البلاد والمنطقة.
التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية
في الوقت الذي تشهد فيه المناطق الغربية من سوريا اضطرابات متزايدة، يشهد الجنوب السوري تصعيدًا آخر يتمثل في العصيان والتمرد الذي تقوده الفصائل الدرزية، إلى جانب تدخل إسرائيل عسكريًا في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة. وقد جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الداعمة للدروز والمهددة للحكومة السورية لتؤكد على تصاعد التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري، في وقت تتزايد فيه المواجهات على الأرض.
بالتوازي مع هذا التصعيد، تعمل إيران في الغرب السوري على إذكاء الفوضى وإثارة العصيان والتمرد ضد السلطة الحالية، مما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا. وهكذا، تتكشف صورة غير مألوفة في الصراع السوري، حيث تجد إسرائيل وإيران، رغم خلافاتهما الظاهرة، تقاطع مصالح في زعزعة استقرار البلاد وإضعاف السلطة السورية، في تحالف غير معلن لكنه بغيض، يستهدف السوريين والعرب عمومًا.
الردود في الداخل السوري والعالم العربي
عربيًا، أعربت دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها قطر والسعودية، إلى جانب مصر والأردن وتركيا، عن إدانتها للهجمات التي شهدها الساحل السوري، حيث أصدرت بيانات رسمية عبّرت فيها عن قلقها إزاء تصاعد العنف، مشددة على ضرورة استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة. كما انضمت الجامعة العربية إلى هذه الإدانات، مؤكدة رفضها لأي تصعيد من شأنه تعقيد الأوضاع في سوريا وزيادة حدة الأزمة.
أما في الداخل السوري، فقد عمّت المظاهرات مختلف المحافظات، حيث خرج المواطنون في مسيرات حاشدة لدعم حكومة أحمد الشرع، والتنديد بعصابات النظام السابق، مؤكدين تمسكهم بوحدة سوريا ورفض أي محاولات لزعزعة استقرارها.
دور الدول العربية في استقرار سوريا
يشكل دور الدول العربية في استقرار سوريا عاملًا حاسمًا لمستقبل أجيال العرب في المشرق العربي، إذ أن سوريا، بحكم موقعها الجيوسياسي، تمتلك القدرة على كسر وتفكيك التحالف غير المعلن بين إسرائيل وإيران، مما يمكن العرب من استعادة زمام المبادرة في التوازنات الإقليمية.
إن دعم سوريا سياسيًا واقتصاديًا، وإعادة دمجها في محيطها العربي، لن يسهم فقط في تعزيز استقرارها الداخلي، بل سيعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة بما يخدم المصالح العربية. كما أن استقرار سوريا سيشكل سدًا منيعًا أمام محاولات تقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية، وهو ما تسعى إليه القوى المتربصة بالعالم العربي. إن تجاهل سوريا في هذه المرحلة سيؤدي إلى خسارة عقود أخرى من عدم الاستقرار، مما يجعل من الضروري توحيد الجهود العربية لدعم وحدة البلاد، وحمايتها من التدخلات الخارجية التي تهدف إلى استنزافها وإضعافها.
أضف تعليق